ابن قتيبة الدينوري

12

تأويل مشكل القرآن

العفو ) : صلة القاطعين ، والصفح عن الظالمين ، وإعطاء المانعين . وفي ( الأمر بالعرف ) : تقوى اللّه وصلة الأرحام ، وصون اللّسان عن الكذب ، وغضّ الطّرف عن الحرمات . وإنما سمّي هذا وما أشبهه ( عرفا ) و ( معروفا ) ، لأن كل نفس تعرفه ، وكل قلب يطمئنّ إليه . وفي ( الإعراض عن الجاهلين ) : الصبر ، والحلم ، وتنزيه النفس عن مماراة السّفيه ، ومنازعة اللّجوج . وقوله تعالى : إذ ذكر الأرض فقال : أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ( 31 ) [ النازعات : 31 ] كيف دلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام ، من العشب والشجر ، والحب والثمر والحطب ، والعصف واللّباس ، والنّار والملح ، لأن النار من العيدان ، والملح من الماء . وينبئك أنه أراد ذلك قوله : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 33 ) [ النازعات : 33 ] . وفكّر في قوله تعالى حين ذكر جنات الأرض فقال : يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [ الرعد : 4 ] كيف دلّ على نفسه ولطفه ، ووحدانيته ، وهدى للحجّة على من ضلّ عنه ، لأنه لو كان ظهور الثمرة بالماء والتّربة ، لوجب في القياس ألا تختلف الطعوم ، ولا يقع التّفاضل في الجنس الواحد ، إذا نبت في مغرس واحد ، وسقي بماء واحد ، ولكنّه صنع اللطيف الخبير . ونحو قوله : وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ [ الروم : 22 ] يريد اختلاف ، اللّغات ، والمناظر ، والهيئات . وفي قوله تعالى : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النمل : 88 ] يريد : أنها تجمع وتسيّر ، فهي لكثرتها كأنها جامدة واقفة في رأي العين ، وهي تسير سير السحاب . وكل جيش غصّ الفضاء به ، لكثرته ، وبعد ما بين أطرافه ، فقصر عنه البصر - فكأنه في حسبان الناظر واقف وهو يسير . وإلى هذا المعنى ذهب الجعديّ في وصف جيش فقال « 1 » :

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص 187 ، ولسان العرب ( صرد ) ، وتاج العروس ( صرد ) والمعاني الكبير ص 891 .